الأربعاء , سبتمبر 26 2018
الرئيسية / شخصيٌّ / ثلاث مصادفاتٍ غيَّرت مجرى حياتي

ثلاث مصادفاتٍ غيَّرت مجرى حياتي

رغم أنني آليتُ على نفسي ألا أكتب هنا أي شيء شخصي، وأن أكتفي بالكتابة عما يخص الموقع بنحوٍ خاصٍّ والنحو بشكلٍ عامٍ
إلا أنني قرَّرتُ اليوم أن أخالف هذه القاعدة التي وضعتها بنفسي
اليوم أحكي لكم عن تجارب شخصية
وبالتحديد سأحكي لكم عن ثلاث (مصادفاتٍ ) غيَّرت حياتي إلى الأفضل
المصادفة الأولى: الشائعة التي غيَّرت حياتي إلى الأفضل !!
سنة 1991 كنتُ طالبًا بالفرقة الأولى في كلية التربية بدمياط
عندما قدَّمتُ أوراقي بكلية التربية اخترتُ الالتحاق بقسم اللغة الفرنسية؛ حيث حصلت في الثانوية العامة وقتها على 46 درجة من 50 في اللغة الفرنسية
وللمفارقة فإن أكثر مادةٍ كنتُ أكرهها في الثانوية العامة كانت اللغة الفرنسية التي درستها لمدة ثلاث سنوات دون أن أتمكن من حبها أو قبولها أو حتى فهمها
أما لماذا اخترتُ قسم اللغة الفرنسية مع كل هذا النفور وعدم القبول لهذه المادة فالحقيقة أنني اخترتُ هذا القسم بنظرةٍ ماديةٍ بحتةٍ؛ لأن اللغة الفرنسية هي من أكثر المواد التي يقبل الطلاب على أخذ دروسٍ خصوصيةٍ فيها
ومرَّ حوالي شهرين على التحاقي بهذا القسم فما وجدتُ نفسي إلا وقد ازددتُ نفورًا من هذه المادة
وفي أحد الأيام فوجئت بأحد زملائي من الإخوان وكان طالبًا في قسم اللغة العربية الفرقة الثالثة (وكنت إخوانيًّا وقتها ) يخبرني بأنه سمع من (مصدرٍ موثوقٍ ) أنه سيتم إلغاء تدريس مادة اللغة الفرنسية في المدارس قريبًا
ورغم أن هذا الخبر كان يجب أن يقع على سمعي وقع الكارثة إلا أنني (وعلى العكس تمامًا ) قد استقبلته بكل فرحٍ؛ حيث صادف هوىً في نفسي؛ لأن هذا الخبر (المكذوب ) أعفاني من حرج أن أخذل أسرتي بتقديم طلب نقلٍ من هذا القسم السخيف
ولم أضيِّع وقتًا .. وبادرتُ في اليوم التالي مباشرةً بتقديم طلب نقلٍ من قسم اللغة الفرنسية إلى قسم اللغة العربية
وقادتني تلك المصادفة إلى أن تتغيَّر حياتي إلى الأفضل؛ فبدلا من أكون مدرسًا لمادةٍ أكرهها أصبحت مدرسًا لمادةٍ أعشقها حتى لو اعتبر الكثيرون أن أنه خيار خاسر
المصادفة الثانية: الخروج من ضيق الإخوان إلى رحابة الاستقلال الفكري
عندما دخلت الجامعة كنت عضوًا بجماعة الإخوان .. ونجحت على قائمتهم في انتخابات اتحاد الطلاب في أثناء دراستي بالفرقتين الأولى والثانية بالجامعة
ورغم أن تجربة الانتخابات في صفوف الإخوان تجربة فريدة وفيها الكثير من العبر التي تستحقُّ أن أفرد لها مقالا خاصًّا إلا أنه لا يسعها المقام هنا
المهم
للإخوان نظام خاص ي إدارة الاتحادات الطلابية حيث يقسِّمون الاتحاد إلى لجانٍ رسميةٍ (صورية ) وهي اللجان المعروفة للجميع داخل الكليات، ولجان أخرى غير رسمية هي اللجان العاملة والفعالة، وذلك خارج نطاق الكليات
وكان المسئول عن نشاط الاتحاد من خارج الجامعة في هذا الوقت طبيب أنف وأذن وحنجرة من مدينة دمياط حيث كان هو المشرف الحقيقي والفعلي على كل ما يقدِّمه الاتحاد من أنشطة في جميع اللجان، ولا يعني هذا أنه كان المسئول المطلق عن الاتحاد، وإنما كانت تأتيه خطة العمل بالتأكيد ممن هم أقدم منه وأعلى منزلةً في جماعة الإخوان، والذين كانوا يتلقون التنبيهات وخطط العمل ممن هم أعلى منهم كذلك، وذلك حسب النظام المعروف داخل جماعة الإخوان
وبالنسبة لي فقد كنت (رسميًّا ) عضوًا بجماعة الرحلات، بينما كنت في الحقيقة عضوًا في (جماعة المسجد ) .
ومن خلال الاسم تستطيعون أن تتوقَّعوا نوع النشاط التي تقوم به هذه الجماعة .. قد كانت تلك الجماعة تختصُّ بكل ما يتعلَّق بمسجد الكلية (وغير خافٍ أن من أهم أهداف جماعة الإخوان في هذا الوقت في التسعينات كان السيطرة على كل المساجد الأهلية ومساجد الجامعات وغيرها من المساجد، وما كان يشهده هذا الوقت من الصراع بين جماعة الإخوان والجماعة الإسلامية التي كانت تشاركها هذا الهدف ) .
وكان المسئول عن (جماعة المسجد ) هو نفسه رئيس اتحاد الطلاب شخصيًّا؛ حيث كان خطيبًا مفوَّهًا
وكانت اجتماعاتنا خارج الكلية تُعقَد في إحدى الشقق التي يستأجرها بعض الطلبة الإخوان القادمين من ريف دمياط (وأنا منهم ) للدراسة بكليتي التربية والعلوم، والذين كانوا يبيتون في هذه الشقق ولا يعودون إلى بيوتهم إلا يوم الخميس من كل أسبوع
وفي أحد اجتماعاتنا نبَّه علينا الأخ المسئول عن اللجنة أن علينا جميعًا التدرُّب على الخطابة لإلقاء دروس دينية يومية بالتناوب في مسجد الكلية بعد صلاة الظهر يوميًّا
وأسقط في يدي؛ حيث كنت خجولا بطبعي، ولم يسبق لي الخطابة مطلقًا، على العكس من أكثر أعضاء اللجنة الذين تم اختيارهم أصلا للانضمام إلى هذه اللجنة بسبب موهبتهم وعمل أغلبهم بالخطابة
وبدأتُ أُعِدُّ نفسي لإلقاء درس في المسجد
لم يلزمنا هذا الأخ بموضوع معين، ولكنه أخبرني أن دوري في إلقاء الدروس سيحين خلال حوالي أسبوع
وبدأتُ أقرأ وأستمع إلى بعض الأشرطة للشيخ الكويتي (أحمد القطان ) ، حيث كان الموضوع الذي اخترته سياسيًّا بامتياز وهو موضوع معاهدة كامب ديفيد وتداعياتها على مصر
وحفظت بعض المقاطع من خطبة للشيخ (أحمد القطان ) يتحدَّث فيها عن قتل السادات
كانت خطبةً ملتهبةً كعادة الشيخ
وللإنصاف فإنني لم أخبر الأخ المسئول بالموضوع الذي اخترته؛ لعلمي اليقيني بأنه إذا عرف بموضوع الخطبة فسيرفض لحرص الإخوان وقتها على البعد عن مثل هذه الموضوعات
ومرَّت الأيام، وأنا أشعر بالتوتر كلما تخيلت نفسي خطيبًا في المسجد
وحان اليوم الذي سألقي فيه خطبتي الملتهبة
وذهبتُ إلى الكلية حافظًا للخطبة ومتدربًا على إلقائها غير مقدر لعواقب إلقاء مثل هذه الخطبة في مسجد الكلية في هذه الأيام التي كان الصراع فيها على أشده بين أجهزة الأمن المصرية وجماعات الإسلام السياسي بشكلٍ عام والإخوان والجماعة الإسلامية بشكلٍ خاصٍّّ؛ حيث كان العنف في هذا التوقيت هو السائد من الجماعة الإسلامية تحديدًا مما كان يلقي بظلاله على علاقة أجهزة الأمن وجماعة الإخوان أيضًا
ولو توقَّفتُ لحظةً لأراجع نفسي لأدركت أن الخطبة التي أنوي إلقاءها ظهر ذلك اليوم بمسجد الكلية ستتسبب بما سيتبعها من عواقب في تدمير مستقبلي .. ولكن الحماس كان يعميني عن توقُّع العواقب .. فمضيتُ إلى مصيري المحتوم
وتوجَّهتُ يومها إلى الكلية ومشاعري متضاربة ما بين الخجل والخوف والحماس
وبمجرد دخولي من بوابة الكلية لفت نظري وجود أحد الإخوة أعضاء لجنة المسجد جالسًا على أحد المقاعد وهو مهموم
توجَّهتُ إليه، وبمجرد أن رآني سألني: هل عرفت بما حدث؟
ولما سألته عما يقصد قال لي إن الأخ رئيس الاتحاد والمسئول عن لجنة المسجد قد تم اعتقاله خلال الليلة السابقة من منزله
وكان هذا الأخ ذا كاريزما خاصة تجعله محبوبًا من الجميع
تأثَّرتُ كثيرًا لما سمعت
وكان من الطبيعي أن يتم تغيير كل الخطط بما فيها موضوع إلقاء الدرس
لتنقذني هذه المصادفة التاريخية من الاعتقال المؤكد بعد إلقاء خطبتي المنتظرة
ولو كنت قد اعتُقِلت وتعرَّضتُ لما كانوا يتعرَّضون له أيامها من صنوف التعذيب لتشوَّهت نفسيتي ولتحوَّلتُ غالبًا إلى مسخٍ شائه ناقمٍ على المجتمع تمامًا كعتاة الجماعة الإسلامية وغلاة المتطرفين الذين تحوَّلوا إلى هذا المصير بسبب ما تعرَّضوا له في المعتقلات من المآسي (ضمن أسبابٍ أخرى بالطبع أفضت لما صاروا إليه من التطرف والعنف والإرهاب ) .
وعلى العكس تمامًا من ذلك فلم تمر عدة شهور على هذه الحادثة حتى كنت قد اختلفتُ فكريًّا مع الإخوان .. بل مع فكرة الإسلام السياسي بشكلٍ عام لأنفتح منذ هذه اللحظة على جميع التيارات ولأستغرق في القراءة لجميع الاتجاهات لعدة سنوات لأخرج من هذه التجربة إنسانًا جديدًا معتدلا فكريًّا ومتسامحًا لأقصى حد
وهكذا .. أخرجتني هذه المصادفة من ضيق الإخوان إلى رحابة الاستقلال الفكري عن جميع التيارات
المصادفة الثالثة: فكرة النحو التفاعلي من مشروع تجاري إلى وقف مجاني لله تعالى
سبق أن ذكرتُ في تدوينةٍ سابقةٍ أن فكرة الامتحانات التفاعلية خطرت ببالي في البداية كمشروعٍ تجاريٍّ بهدف تحسين أحوالي المادية
وظللتُ أعمل في هذه الامتحانات لعدة شهور في هذا الإطار (إطار الرغبة في تسويق هذه الامتحانات بعد الانتهاء منها )
يُرجَى مراجعة تدوينة ( ) من خلال الرابط التالي
ولم يتغير هدفي من هذا العمل إلا في اليوم الذي اكتشفتُ فيه أن البرنامج الذي أستخدمه يتيح الحصول على نسخةٍ من كل امتحانٍ بصيغة HML وهي الصيغة التي يمكن نشرها على مواقع الويب
في اليوم الذي اكتشفتُ ذلك (ولم أكن أملك الخبرة الكافية ) اتصلتُ بالأخ الذي أتعامل معه فيما يخصُّ الدعم الفني وسألته: عندي نسخة HTML من أحد الامتحانات فهل يمكن نشره على موقع انترنت؟
أجابني بأنه لا يستطيع أن يرد إلا بعد رؤية النسخة المقصودة من الامتحان
ورفعتها على الانترنت، وأرسلتُ له الرابط
وطلب مهلةً لدقائق من أجل التجربة
بعد دقائق رد علي بإمكانية ذلك بعد أن نجح في نشره على صفحةٍ فرعيةٍ في موقعه الخاص
وأرسل لي الرابط
ولم أُصَدِّق نفسي وأنا أرى الامتحان منشورًا على الانترنت
كانت لحظةً لا تُنسَى
ومن فوري بدأت أتحدَّث معه قي تفاصيل حجز دومين واستضافة للموقع بعد أن قرَّرتُ في هذه اللحظة أن أغيِّر خططي بالكامل من امتحانات تفاعلية ستُباع على اسطواناتٍ إلى امتحانات تفاعليةٍ مجانية ستُنشَر مجانًا على موقعٍ اخترتُ له اسم (نحو دوت كوم )
وهكذا قادتني تلك المصادفة إلى هذا التغيًُّر الجوهري الذي جعل لحياتي معنى.

عن admin

شاهد أيضاً

لا أحب السياسة

لا أحب السياسة .. ولا الكلام في السياسة .. ولكن الإسلام دين السلام بامتياز: الله ...

5 تعليقات

  1. شكرا لمشاركتك خبرتك يا دكتور

  2. انا شخص مجتهد حقا

  3. من طلب العلي سهر الليالي وانت خير ما يعلم هذا

  4. حقا هذا من افضل المواقع التى قمت بزيارتها

  5. يعجبنيى تقاعل المشاهدين للمواضيع حقا انه موقع له مستقبل كبير

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>